• Ohio State radio telescope printout from 1977 at Dreese Lab at Ohio State.

    هل نحن وحدنا في هذا الكون الهائل؟
    سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل في داخله دهشة إنسانية قديمة، ولم يعد اليوم حكرًا على الفلسفة أو الخيال العلمي. خلال العقود الأخيرة، بدأ هذا التساؤل يتحول إلى قضية علمية حقيقية، تُخصص لها أبحاث ومشاريع ضخمة حول العالم.

    مع تطور علم الفلك، اكتشف العلماء أن الكواكب ليست نادرة كما كنا نعتقد سابقًا، بل إن معظم النجوم تقريبًا تحيط بها أنظمة كوكبية. هذا الاكتشاف غيّر نظرتنا إلى الكون، وفتح الباب أمام دراسة ما يُعرف بـ«الكواكب الصالحة للحياة»، أي تلك التي قد تسمح بوجود ماء سائل وظروف بيئية مستقرة نسبيًا، وهي عناصر نعرف – من تجربتنا الوحيدة حتى الآن – أنها أساسية لظهور الحياة.

    في هذا السياق، قدّم عالم الفلك فرانك دريك في ستينيات القرن الماضي ما يُعرف بمعادلة دريك. هذه المعادلة لا تهدف إلى إعطاء رقم دقيق لعدد الحضارات الذكية في مجرتنا، بل تساعد على تنظيم التفكير في هذا السؤال المعقد، عبر تقسيمه إلى مراحل: من عدد النجوم، إلى عدد الكواكب، ثم احتمالية نشوء الحياة، وتطورها إلى ذكاء قادر على التواصل، وصولًا إلى المدة التي يمكن خلالها رصد هذه الحضارات.

    على المستوى العملي، لا يقتصر الاهتمام على النظريات فقط. تعمل وكالات الفضاء، مثل ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية، على دراسة الكواكب الخارجية باستخدام تلسكوبات متقدمة كـتلسكوب جيمس ويب، القادر على تحليل الأغلفة الجوية للكواكب والبحث عن بصمات كيميائية قد تشير – ولو بشكل غير مباشر – إلى نشاط حيوي. في الوقت نفسه، تستكشف بعثات فضائية أخرى المريخ وأقمارًا جليدية مثل يوروبا وإنسيلادوس، حيث يُعتقد بوجود محيطات مائية مخفية تحت أسطحها.

    ومن زاوية مختلفة، يركز مشروع SETI على البحث عن إشارات قد تكون صادرة عن حضارات ذكية، سواء كانت إشارات راديوية أو ليزرية. ومن أشهر الحالات المرتبطة بهذا المجال إشارة WOW التي رُصدت عام 1977، والتي أثارت اهتمامًا واسعًا بسبب خصائصها غير الاعتيادية، رغم أنها لم تُكرر ولم تُعتبر دليلًا قاطعًا على وجود حضارة خارج الأرض.

    حتى اليوم، لم نعثر على دليل مباشر يؤكد وجود حياة خارج كوكبنا. ومع ذلك، فإن تراكم الاكتشافات العلمية وتطور أدوات الرصد يشيران إلى أن الظروف التي سمحت بظهور الحياة على الأرض قد لا تكون فريدة تمامًا. لذلك يبقى هذا السؤال مفتوحًا، لا تحكمه الافتراضات، بل الملاحظة والصبر العلمي، وربما يحمل المستقبل إجابة ستغيّر فهمنا لمكاننا في الكون.

  • NSF/LIGO/Sonoma State University/A. Simonnet

    لم يكن الكون يومًا صامتًا  لكنّ الإنسان لم يتعلّم الإصغاء إليه إلا بلغة واحدة لزمنٍ طويل: الضوء. من الفوتونات بنينا معرفتنا الأولى بالسماء، ورسمنا خرائط النجوم والمجرّات، وفسّرنا الانفجارات البعيدة اعتمادًا على ما يصل إلى أعيننا من إشعاع كهرومغناطيسي. غير أنّ هذه الرؤية على اتساعها، ظلّت ناقصة. بعض الأحداث لا تُضيء  وبعضها يُحجب خلف غبار كوني كثيف  وبعضها يترك أثره لا في الضوء، بل في نسيج الزمكان نفسه. من هنا بدأ التحوّل نحو ما يُعرف اليوم بالفلك متعدّد الرُّسُل.

    الفلك متعدّد الرُّسُل هو محاولة لفهم الكون عبر أكثر من قناة رصد أو أكثر من “رسول”، بحيث لا نعتمد على الضوء وحده، بل ندمج معه موجات الجاذبية، والنيوترينوات، والأشعة الكونية. كل رسول من هذه الرسل يحمل نوعًا مختلفًا من المعلومات الفيزيائية، ولا يمكن لأيٍّ منها أن يحلّ محل الآخر. ما نراه في الضوء لا يكرّر ما تخبرنا به موجات الجاذبية، وما تنقله النيوترينوات لا يمكن استخلاصه من الصور وحدها. الحقيقة الكونية، في هذا الإطار، ليست رسالة مفردة، بل نسيجًا تتقاطع فيه إشارات متعددة.كان إدخال موجات الجاذبية إلى هذا المشهد نقطة التحوّل الحاسمة. ففي عام 2015، ومع أول رصد مباشر لهذه الموجات، لم نضف أداة جديدة للرصد فحسب، بل أضفنا لغة كاملة لم تكن مسموعة من قبل. موجات الجاذبية ليست إشعاعًا ولا جسيمات، بل تموّجات في نسيج الزمكان نفسه، تنشأ عندما تتسارع كتل هائلة، كما في اندماج ثقوب سوداء أو نجوم نيوترونية. ما تحمله هذه الموجات هو وصف مباشر للديناميكا الجاذبية: كتل الأجسام، ودورانها، والمسافات بينها، وتطوّر مداراتها حتى اللحظات الأخيرة قبل الاندماج. والأهم من ذلك، أنها تعبر الكون دون أن تُمتص أو تتشتّت، حاملةً توقيع الحدث كما هو، غير مشوَّه.لكن موجات الجاذبية، على عمقها، لا تروي القصة كاملة وحدها. فهي تصف كيف يتحرّك الزمكان، لكنها لا تخبرنا دائمًا عمّا يحدث للمادة بعد الحدث. هنا يأتي دور الضوء، الذي يكشف التوهّجات والانفجارات، ويرصد تشكّل العناصر الثقيلة، ويتتبّع تطوّر البيئة المحيطة بالاندماج. أما النيوترينوات، فهي رسل البيئات الأعلى كثافة، القادرة على الهروب من أعماق الانفجارات حيث يعجز الضوء عن النفاذ، حاملةً معلومات عن الفيزياء النووية في أقسى ظروفها. وتبقى الأشعة الكونية شاهدًا طاقيًا بعيدًا على أحداث عنيفة، رغم صعوبة تتبّع مساراتها إلى مصادرها الأصلية. عندما تتزامن هذه الرسل، لا نحصل على صورة مسطّحة للحدث، بل على مشهد فيزيائي متكامل يمتد عبر المكان والزمن.تجلّى هذا التوافق بأوضح صوره في السابع عشر من أغسطس عام 2017، عندما رُصد حدث GW170817. في ذلك اليوم، التقطت مراصد LIGO و Virgo موجات جاذبية ناتجة عن اندماج نجمين نيوترونيين، وبعد أقل من ثانيتين رُصد انفجار أشعة غاما من نفس الموقع في السماء، ثم تتابعت عمليات الرصد الضوئي عبر مختلف الأطوال الموجية خلال الأيام والأسابيع اللاحقة. للمرة الأولى، سُمِع الحدث ورُئي في آنٍ واحد، وتُمّت متابعة تطوّره من اللحظه الأول في الزمكان إلى التوهّج الأخير للمادة المقذوفة. هذا الحدث لم يؤكد فقط وجود ظاهرة الكيلونوفا، بل كشف عن أصل العناصر الثقيلة مثل الذهب والبلاتين، وربط بين النسبية العامة والفيزياء النووية والكيمياء الكونية في تجربة رصدية واحدة.تكمن قوة الفلك متعدّد الرُّسُل في قدرته على كسر حالات الالتباس التي ترافق الرصد الأحادي. موجات الجاذبية وحدها قد تترك غموضًا في بعض المعلمات، والضوء وحده قد يُضلَّل بالبيئة أو الزاوية أو الحجب، لكن الجمع بينهما يسمح بتحديد المواقع بدقة أعلى، وفهم الخصائص الفيزيائية للأجسام بشكل أوضح، وفتح نوافذ جديدة على علم الكونيات، مثل قياس ثابت هابل عبر ما يُعرف بـ “Standard Sirens”، دون الاعتماد على سُلّم المسافات التقليدي. كما يتيح هذا النهج اختبار النسبية العامة في أقسى الظروف، والبحث في فيزياء تتجاوز النموذج القياسي للجسيمات.ورغم هذا التقدّم، لا يخلو الطريق من التحديات. تحديد مواقع مصادر موجات الجاذبية لا يزال واسع النطاق، والأحداث المتزامنة نادرة، ويتطلّب الأمر تنسيقًا عالميًا فوريًا بين مراصد أرضية وفضائية تعمل بلغات فيزيائية مختلفة. الفلك متعدّد الرُّسُل ليس علمًا يُمارَس في عزلة، بل شبكة تعاون كونية تتقاطع فيها التلسكوبات، وأجهزة القياس، والخوارزميات، والبشر.المستقبل، مع ذلك، يحمل وعودًا أكبر. فمع الجيل القادم من مراصد موجات الجاذبية، سواء الأرضية أو الفضائية، سننتقل من رصد الأحداث بعد وقوعها إلى توقّعها قبل اكتمالها، ومن تسجيل الإشارة إلى بناء سردٍ كامل للحدث الكوني، منذ أول ارتعاش في الزمكان وحتى آخر فوتون يصل إلينا. عندها، لن يكون الكون مجرد مشهد نراقبه من بعيد، بل نصًّا حيًّا نقرأه عبر لغاته المتعددة.الكون لا يتحدّث بصوتٍ واحد. هو يكتب تاريخه بالضوء، وينقشه بالجاذبية، ويهمس به عبر النيوترينوات. وموجات الجاذبية ليست بديلًا لما عرفناه من قبل، بل اللغة العميقة التي كانت غائبة، حتى تعلّمنا كيف نُصغي إليها.

  • Credit: LIGO-Virgo / Aaron Geller / Northwestern University

    ليس للكون حبرٌ ولا ورق؛ إنه يدون تاريخه بتموّجاتٍ رقيقة في نسيج الزمكان نلتقطها ونحوّلها إلى معرفة وهذا ما تفعله سلسلة الكتالوجات GWTC التي تؤرشف ما ترصده شبكة LIGO–Virgo–KAGRA من همسات الجاذبية وتحوله إلى أحداث موثوقة وخصائص فيزيائية قابلة للدراسة؛ بدأت الحكاية مع GWTC-1 الذي يغطي O1 من 12 سبتمبر 2015 إلى 19 يناير 2016 وO2 من 30 نوفمبر 2016 إلى 25 أغسطس 2017 ويضم 11 حدثًا مؤكدًا (منها الحدث التاريخي GW170817 بتاريخ 17 أغسطس 2017) ثم جاء GWTC-2 لفترة O3a من 1 أبريل 2019 إلى 1 أكتوبر 2019 وفيه 39 حدثًا متجاوزًا لعتبة الاعتماد وتلاه الملحق الموسّع GWTC-2.1 لإعادة تحليل الفترة نفسها بمعايير أدقّ، قبل أن يصل GWTC-3 لفترة O3b من 1 نوفمبر 2019 إلى 27 مارس 2020 مضيفًا 35 حدثًا عالي الثقة (ليبلغ الإجمالي التراكمي عبر O1–O3 نحو 90 حدثًا p_astro≥0.5) وأخيرًا جاء GWTC-4.0 لفترة O4a من 24 مايو 2023 إلى 16 يناير 2024 (مع أيام تشغيل هندسية سبقت الانطلاقة) مضيفًا 128 حدثًا جديدًا p_astro≥0.5 لترتفع الحصيلة التراكمية عبر O1–O4a إلى 218؛ وقد غلب على O4a اندماج ثنائيات الثقوب السوداء، وظهر مرشّحان من نوع نجم نيوتروني + ثقب أسود، دون اندماجٍ مؤكدٍ لنجمين نيوترونيين، مع إشارات عالية SNR سمحت بتشريح أدقّ لأطوار الموجة وظهور منظومات ثقيلة تقارب 236 كتلة شمسية؛ وتتكامل تنبيهات الوقت الحقيقي مع تحليل (offlin) الأهدأ والأدق، حيث تعمل خطوط بحث مستقلة (GstLAL، PyCBC، MBTA، CWB) ونماذج موجة متقدّمة (SEOBNR، IMRPhenom مع سبق الدوران والأنماط العليا) لاستخراج المعلمات بثقة، بينما تزن مقاييس مثل SNR (وضوح الإشارة)، وFAR (معدّل الإنذار الكاذب)، وp_astro (احتمال الأصل الفلكي) موثوقية كل رصد؛ ومع تراكم الأرقام بين 2015 و2024 أصبحت لدينا خرائط أوضح لسكّان الثقوب السوداء وكيف تتوزّع كتلهم ونِسَب كتلهم واتجاهات دورانهم وما تشير إليه بشأن قناة التشكّل (تطوّر ثنائي هادئ أم تجمّع ديناميكي)، إلى جانب اختبارات أشدّ صرامة للنسبية العامة واستعدادٍ أفضل للفلك متعدد الرسل.

  • .Image credit: Y. Gominet (IMCCE/Observatoire de Paris); NASA

    هل موجات الجاذبية جسيمات أيضًا؟ اسمحوا لي أن أبدأ كما أحبّ: غرفة ساكنة في آخر الليل، ضوءٌ رقيق يقف على حافة مرآتين، والكون من حولنا كبحر بعيد يتنفّس من غير صوت. تمرّ موجة لا تُرى فتتمدّد المسافات وتنكمش للحظةٍ خاطفة، مثل قطرة تسقط على سطح ماء ساكن فتولِّد تموّجات دائريةً رقيقة، ثم يأتينا لحنُها من أعماق الزمكان: يبدأ بنغمةٍ تتصاعد تدريجيًا في التردد والسعة—وهو ما يسميه الفيزيائيون «chirp»—ثم يختم بـ«ringdown» قصير يتلاشى سريعًا كخاتمةِ مشهد طويل. هنا فقط أرفع الغطاء قليلًا: ما نقيسه ليس وزنًا ولا دفعة هواء، بل تغيّرًا صغيرًا في الطول بين ذراعين طويلين لمقياس تداخل، تغيّر ضئيل إلى حد الجنون لكنه يكفي لنحوّل الهمس إلى إشارة نفهم منها أي أجسام اندمجت وكم كانت كتلها ونِسَبها وكيف لوّى دورانها الإشارة وأي أثر تركه المدّ إن كان العاشقان نجميْن نيوترونييْن. وفي هذا البحر غير المرئي للموجة استقطابان عَرضيّان فقط (+ و×) يمطّان الفضاء في المستوى العمودي على اتجاه الانتشار، وتسير إشارتها بسرعة الضوء كما دلّ تزامنها مع ضوء انفجارٍ بعيد، وتعتمد خاتمة الاندماج على نوع المتصادِمين وكتلتهما: ليس كل اندماجٍ يُنتج ثقبًا أسودًا فورًا؛ ففي الحالات التي تكون فيها النتيجة ثقبًا أسودًا، نسمع رنّةً طبيعيةً تتوافق مع طيف الاهتزازات المميَّز لثقبٍ أسودٍ دوّار من نوع «كير» حيث لا يحدِّد حالته النهائية إلا كتلته ودورانه (مبدأ «لا شعر»). أمّا إذا كانت البقايا نجمًا نيوترونيًا مفرط الكتلة مؤقّتًا، فتسود اهتزازاتٌ عالية التردّد مختلفة الطابع، وقد يظهر «ringdown» الخاصّ بكير لاحقًا فقط إذا انهار هذا الجرم إلى ثقبٍ أسود. ثم ينهض السؤال الذي نحبّه: إذا كان للضوء موجةٌ وفوتونات، أفلا يكون لموجات الجاذبية جسيمٌ أيضًا؟ من حيث المبدأ نعم؛ فحين نُعامِل الحقل الجاذبي كمّيًا تظهر كمّاتُ طاقةٍ دقيقة عديمةُ الكتلة بلفٍّ مغزليٍّ يساوي اثنين—جرافيتونات—لكننا لم نمسك بجرافيتونٍ منفرد؛ لا لأن الفكرة واهية، بل لأن طاقة الكمّ الواحد عند تردّداتنا البشرية صغيرةٌ على نحوٍ لا يُحتمل واقتران الجاذبية بنا خجولٌ للغاية، فتغرق أيُّ نقرةٍ مفردة في ضوضاء العالم قبل أن تبلغ آذاننا. لهذا نتعامل اليوم مع سلوكٍ موجيٍّ جماعي نتعلّم منه الكثير ونختبر به النسبية العامة في أقسى الميادين ونضع حدودًا على بدائلها من غير أن نجد انحرافًا واضحًا حتى الآن. ومع ذلك لا نُغلق باب الكمّ؛ بل نفتحه بطرائق أذكى وألطف: أن تتشابكَ كتلتان مجهرّيتان لا تمسّان بعضهما إلا بجاذبيتهما فتكون الشهادة على كمّية الحقل نفسه، وأن نفتّش في نغمات الرنين عن انحرافاتٍ خفيّة تشير إلى فيزياء أعمق، وأن نستخدم تداخل الذرّات والساعات فائقة الدقة لالتقاط أثر تمدّد الزمن على حالات هشّة، وأن نُصغي في الفضاء عبر LISA (ليزا)—مهمّةٍ فضائيةٍ مستقبلية لم تُطلَق بعد ومخططُ إطلاقها قرابة منتصف ثلاثينيات هذا القرن—إلى جانب مصفوفات توقيت النجوم النابضة (PTAs) التي ترصد الخلفيّات البعيدة على مدى سنوات. هكذا تبقى البداية خفيفة كما أحببتُ، والنهاية مشبعة بما يكفي من التفاصيل: نحن الآن نسمع الموجة فنقرأ منها قصة الكتل والمسافات، وأمّا الجسيم فـأفقٌ بعيد نلمح حدَّه ولا نطاله بعد؛ ومع كل تحسّنٍ في آذاننا العلميّة يقترب هذا الأفق خطوةً أخرى.

  • Credit:ESA/Hubble & NASA, S. Jha
    Acknowledgement: L. Shatz

    ليلةٌ صافية وهواءٌ بارد، والسماء فوقك كألبوم رسائل ورقية يأتيك من أماكن بعيدة؛ كل نقطة ضوء هي بطاقة بريدية خرجت في زمنٍ ما تحمل حكاية صاحبها. الضوء سريع جدًا، لكنه ليس فوريًا؛ لذلك فانك حين تنظر للنجوم في السماء ليلا، ترى ما كانت عليه ساعةَ غادرها الضوء، لا ما هي عليه الآن. وخلال الرحلة الطويلة يكون النجم قد واصل دورانه في مجرته وربما تغيّر كل شيء حوله. يكفي هذا وحده ليحوّل السماء إلى متحف للماضي—لكن الحكاية تحتفظ بحيلةٍ أدهى: الطريق نفسه الذي يسلكه الضوء قد لا يكون مستقيمًا أصلًا.

    تخيّل المسرح يضاء، ويدخل أينشتاين بخطوة هادئة ليقول: الجاذبية ليست يدًا خفيّة تشد الأشياء فحسب، بل هي التي ترسم طريق السير. حين تمر أشعة الضوء قرب كتلة ضخمة—شمس، مجرة، أو عنقود مجري—ينحني الطريق قليلًا، كأن الشعاع زار لوح زجاج سميك عند الحافة. في صيف 1919، وأثناء كسوف الشمس، التُقطت صور لنجوم بجوار قرصها، فبدت مواقعها مزاحة بمقدار شعرة، تمامًا كما توقّع أينشتاين. لحظةٌ أشبه ببابٍ سرّي فُتح: إذا كانت الشمس قادرة على ذلك، فأي عدسة قد تصنعها مجرة كاملة؟

    من هنا بدأت القصص الكبيرة تتوالى: فلكيّون يرصدون كوازارًا بعيدًا يظهر في صورتين على صفحة السماء — الكوازار التوأم — ثم يرون تشكيلًا رباعيًّا يُعرَف بـ صليب أينشتاين تحيط فيه أربع صور بمجرّةٍ أمامية، وتتدلّى على أطراف عناقيد المجرّات أقواس زرقاء طويلة، وأحيانًا تكتمل الدائرة في حلقة شبه مثالية تُسمّى خاتم أينشتاين حين تصطف الأجسام بدقة. ما الذي يجري؟ تصوّر جبلًا يتوسّط طريقك إلى مدينة بعيدة: يمكنك الالتفاف يمينًا أو يسارًا؛ كلا الطريقين يوصلك، لكن المسافتين مختلفتان. كذلك يفعل الضوء حول “جبل” الجاذبية: يسلك مسارات متعددة، فيصلنا من زوايا شتّى وبأزمنة وصول متباينة، فيبدو الجِرم كأنه في أكثر من مكان، وقد يبدو أكبر أو ألمع مما هو عليه.

    وليس كل عدسةٍ صاخبة. أحيانًا تكون اللمسة خفيفة إلى حدّ أنك لا ترى صورًا متعددة؛ بل “خربشة” دقيقة في هيئات آلاف المجرّات البعيدة، كأن صفحة السماء مرّت تحت زجاج غير مستوٍ. وحدها الإحصاءات والحواسيب تلتقط هذا الهمس وتحوّله إلى خرائط هائلة لتوزيع الكتلة عبر الكون—بما فيها المادة المظلمة التي لا تلمع أصلًا. هذه هي عدسات الجاذبية الضعيفة: أثرٌ خافت لكنه كافٍ ليكشف أين تختبئ الكتلة وكيف تتطور البِنى الكونية.

    وهناك طبقة أكثر رهافة تُدعى العدسة الميكروية (التعديس الميكروي). هنا تكون العدسة نجمًا أو حتى كوكبًا داخل مجرّةٍ تعمل كعدسة جاذبية. لا تراها العين كصورٍ منفصلة، لكن المنبع البعيد يومض ويهدأ على مهلٍ لأيامٍ أو أسابيع، كأن يدًا شفّافة مرّت فوق مصباحٍ بعيد. من هذه الومضات اصطاد العلماء كواكب لا تُرى مباشرة، وقرأوا تفاصيل دقيقة في بنية المصادر الخافتة.

    وكيف نعرف أن ما نشاهده ليس مجرد مصادفات؟ لأن العدسة تترك بصماتها المتناسقة في كل مرة: الصور المتعددة للمصدر الواحد تحمل الطيف نفسه، ويتغير لمعانها بالنسق ذاته مع فروق زمنية منطقية، ومواقع الأقواس والحلقات يمكن إعادة إنتاجها بنماذج للكتلة تجعل الخريطة “تعمل” على الشاشة. وعندما تُجمع الدلائل—الصور، الإيقاع الزمني، وحتى سرعات نجوم العدسة نفسها—نحصل على إعادة بناء مدهشة للمشهد الحقيقي: أين يقع المصدر خلف الستار وكم تزن العدسة وما الذي يرويه ذلك عن نسيج الكون.

    ليست هذه ألعابًا بصرية؛ إنها أدوات قياس كونية. بفضل العدسات نزن المجرات والعناقيد بلا اعتماد على لمعانها، ونرسم خرائط للمادة المظلمة، ونرى مجرات بعيدة جدًا كبّرتها لنا الطبيعة حتى صارت قابلة للدراسة، بل ونقيس تمدد الكون عبر فروق أزمنة الوصول بين الصور. والأهم من كل ذلك: تذكّرنا العدسة بالحقيقة الأولى—أن ما نراه ليس الحاضر. النجم الذي تُشير إليه الليلة قد تحرّك منذ أن أرسل ضوءه، والصورة التي تراها ربما التفّت حول “مرآة” جاذبية قبل أن تصل إليك.

    السماء قصة ليست لقطة. كل نجمة تهمس: “كنتُ هنا يومًا”، وكل قوسٍ أو حلقة تقول: “سافرتُ طريقًا أطول كي أصلك.” ومع كل صورة نتعلم أن نقرأ الطريق كما نقرأ الوجهة وأن الكون لا يكتفي بأن يبعث لنا الضوء—بل يعلّمنا، خطوةً بخطوة، كيف نروي حكايته.

  • Caltech/MIT/LIGO Lab/W. Katzman

    رصد موجات الجاذبية ليس لحظة مجدٍ عابرة، بل هو صبرٌ يتخفّى خلف الصمت، خلف كل اهتزازٍ في الأرض، وكل شهقةٍ في الهواء، وكل رعشةٍ في المعدات. مرصد LIGO لا يعمل كآلة صمّاء، بل ككائن حيّ يتأمل، يصغي، يخطئ، ثم يعاود الإصغاء. ومع أن الكون لا يتكلم بلغة البشر فإنه يرسل نداءاته خافتةً متموّجة في نسيج الزمكان، تحتاج أذنًا تميّزها وسط آلاف الأصوات الكاذبة. الضوضاء، في هذا السياق، ليست فقط ما نعرفه من صخب الطرقات أو الريح، بل عدوٌ متخفٍّ له أشكال لا تُحصى: هناك الضوضاء الزلزالية، الناتجة عن حركات الأرض الدقيقة، زلازل بعيدة، أمواج محيطية تضرب اليابسة في أماكن لا ترى بالعين، وكل هذا يجعل الأرض نفسها تنبض بحياة تُربك أجهزة الرصد. وهناك الضوضاء الحرارية، التي تجعل ذرات المرايا تتراقص عشوائيًا بفعل حرارة الجو، وكأن حتى الجدران تهمس بما لا نريد سماعه. وهناك ضوضاء الكم، في قلب أشعة الليزر نفسها، حيث الفوتونات لا تصل باستقرار، بل تتذبذب بسبب مبدأ الريبة، مما يضيف طبقة جديدة من الشك فوق الشك.

    ولأن الإشارة التي يبحث عنها العلماء صغيرة بشكل لا يُصدّق—اتساعها أقل من ألف مرة من قطر نواة الذرّة—فأي اضطراب، مهما بدا تافهًا، قد يُخفي الحدث الكوني العظيم. لهذا السبب تُعلّق مرايا LIGO بأنظمة معقدة من النوابض والكتل العازلة، تتدلّى كرقصات في الفراغ، لتُخفف الاهتزازات الأرضية، وتُبقي المرايا في سكون تام. الليزر يُضبط بدقة شديدة، ويُقسّم ليعبر أذرعًا بطول 4 كيلومترات، ثم يُجمع بعد الانعكاسات، بحثًا عن تغيّر صغير في المسافة بين المرايا، وهو التغيّر الذي يعني أن موجة جاذبية مرّت. ولكن الضجيج لا يرحم: حتى الجسيمات الدقيقة التي تصطدم بالمرايا (cosmic rays)، وحتى المجالات المغناطيسية المحيطة، أو طنين الكهرباء في الجدران، كلها تسجّل بصمتها، وتُثير الأسئلة.

    ولكي يفرق العلماء بين “الضوضاء” و”الإشارة”، يخضع كل حدث محتمل لسلسلة من الفلاتر الرياضية والتحليلات الزمنية، وتُقارن البيانات بين مرصدين على بعد آلاف الكيلومترات، لأن الضوضاء المحلية لا يمكن أن تُكرر نفسها بنفس الشكل في مكانين مختلفين، أما الإشارة الكونية الحقيقية، فهي تمرّ بكل الأرض وتترك توقيعها المتناغم في كِلَا المكانين، كأنها تقول “أنا هنا… صدّقوني”. ومع كل رصد محتمل، يبدأ الشك: هل هذه إشارة أم ضوضاء متنكرة؟ وهل نحن مستعدون للفصل بين الصدق والخداع؟ هنا يُستدعى كل شيء: النماذج النظرية، المحاكاة الرقمية، الشبكات العصبية، والعين الخبيرة التي راكمت سنوات من الصمت.

    الرصد في LIGO لا يعني فقط أننا التقطنا موجة، بل أننا أخمدنا آلاف الأصوات الأخرى التي حاولت أن تخدعنا، وأننا بلغنا درجةً من النقاء والسكينة تجعل الكون يثق فينا بما يكفي ليمنحنا لحظة من صدقه. تلك اللحظة، حين تُرصد الموجة، ليست فقط حدثًا علميًا، بل تجربة وجودية تُذكّرنا بأن الإصغاء—الحقيقي، العميق، الصابر—قادر أن يفتح أبواب الكون، ولو كانت مغلقة منذ نشأته.

  • Caltech/MIT/LIGO Lab

    بعد أن استعرضنا سابقًا كيف تعمل مراصد موجات الجاذبية مثل LIGO حان الوقت لتوسيع النظرة نحو أنواع هذه المراصد سواء الأرضية منها أو التي تطمح البشرية لإطلاقها في الفضاء. مراصد موجات الجاذبية ليست متشابهة في مهامها ولا في قدرتها على الاستماع لهمسات الكون فكل مرصد منها يُصمم ليلتقط نوعًا معينًا من الموجات، حسب ترددها ومصدرها وظروف انتشارها على الأرض، لدينا مراصد مثل LIGO في الولايات المتحدة وهو في الحقيقة يتكوّن من مرصدين اثنين: الأول في هانفورد بولاية واشنطن، والثاني في ليفينغستون بولاية لويزيانا، ويعملان معًا للكشف عن التغيرات الدقيقة جدًا في الزمكان، وقد كانا أول من التقط موجة جاذبية عام 2015 ناتجة عن اندماج ثقبين أسودين، ويتميزان بحساسيتهما للموجات عالية التردد الناتجة عن اندماجات الأجسام الكثيفة ذات الكتلة النجمية. يشاركه في الرصد مرصد Virgo الإيطالي، الذي يُساهم بشكل كبير في تحديد موقع المصدر عند العمل ضمن شبكة مع LIGO، خاصة عند رصد اندماج نجمين نيوترونيين، كما حدث في 2017. أما KAGRA الياباني، فهو يُعد أول مرصد يُبنى تحت الأرض ويستخدم مرايا مبردة لتقليل الضجيج الحراري، مما يمنحه قدرة أكبر على التقاط الإشارات الضعيفة. هناك أيضًا مشروع LIGO-India الذي يُرتقب تشغيله قريبًا، ليُضيف تغطية جغرافية أوسع وتحسينًا كبيرًا في تحديد المواقع على السماء. ورغم قوة هذه المراصد، إلا أن الأرض ليست بيئة مثالية دائمًا بسبب الزلازل والضجيج البشري، لذلك تتطلع البشرية إلى الفضاء، حيث تخطط وكالة الفضاء الأوروبية بالتعاون مع ناسا لإطلاق مرصد LISA، وهو مرصد فضائي سيتكوّن من ثلاث مركبات فضائية تفصل بينها مسافات تبلغ ملايين الكيلومترات، ويُعد حساسًا للموجات ذات التردد المنخفض جدًا، مثل تلك الناتجة عن اندماج ثقوب سوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات أو الخلفية الكونية لموجات الجاذبية، وهي إشارات لا تستطيع المراصد الأرضية رصدها. على نفس المسار، تعمل الصين على مشروعي Taiji وTianQin، اللذَين يستهدفان نفس النطاق الترددي لرصد إشارات بطيئة وطويلة الأمد. كما تُخطط اليابان لمشروع فضائي طموح يُدعى DECIGO، يغطي الترددات المتوسطة، ما يعني أنه سيملأ الفجوة بين ما تلتقطه LIGO وLISA، وبذلك نقترب من تغطية طيف واسع جدًا من موجات الجاذبية. كل مرصد في هذا المشهد الكوني يُكمل الآخر، مثل أعضاء فرقة موسيقية يستمع كل منهم لنغمة مختلفة من نفس اللحن العظيم، ليرسموا لنا في النهاية خريطة صوتية للكون. ومن خلال تكامل المراصد الأرضية والفضائية، يصبح لدينا القدرة ليس فقط على سماع الأحداث الكونية القريبة والصاخبة، بل أيضًا على التقاط الصدى القديم العميق لانفجارات قد تكون وقعت قبل مليارات السنين، وهذا ما يجعل مستقبل علم موجات الجاذبية واعدًا، ليس فقط كأداة رصد، بل كنافذة جديدة على بنية الكون وتاريخه العميق.

  • LIGO/Caltech/MIT/Sonoma State (A. Simonnet)

    منذ أن بدأ الإنسان يتأمل في السماء أدرك أن ما يراه بعينيه ليس كل شيء. النجوم، المجرات، السدم اللامعة… كلها تشكّل فقط جزءًا ضئيلاً من الصورة الكاملة. خلف هذا الجمال الظاهري هناك شيء أكبر، أعمق، وأكثر غموضًا: مادة لا تُرى، لا تُصدر ضوءًا، ولا تمتصه، ولا تتفاعل معه. ومع ذلك، نراها من خلال آثارها. هذه هي المادة المظلمة.

    ما نعرفه عنها يشبه ظلًّا يتحرك خلف ستارٍ سميك. نرى المجرات تدور بسرعة لا تفسرها كتلتها المرئية، نشاهد الضوء ينحني دون وجود جسم يفسر ذلك الانحناء، ونحسب الكتلة فنجد أنها أقل بكثير مما ينبغي. شيء ما هناك، يفرض جاذبيته، دون أن يكشف عن نفسه. لقد فشلت كل التلسكوبات في رؤيته، وكل أجهزة الكشف في الإمساك به. لكن ماذا لو كان الصوت أصدق من الصورة؟ ماذا لو كانت الجاذبية، لا الضوء، هي الوسيلة لفهم ما لا يُرى؟

    تُعتبر موجات الجاذبية اليوم من أنقى وأعمق ما يمكن أن يُرصد من إشارات كونية. فهي لا تتأثر بالغبار، ولا تُحجب، ولا تُشتت كما يحدث للضوء. تمرّ عبر الزمان والمكان كما هي، تحمل في طياتها تفاصيل دقيقة عن الأحداث التي أنتجتها. ومن هنا وُلد السؤال: هل يمكن لموجات الجاذبية أن تكشف شيئًا عن المادة المظلمة؟ هل يمكن أن تحمل في داخلها همسات من عالم خفي يحيط بالأجسام المندمجة؟ بعض العلماء يظنون ذلك. فربما حين تندمج ثقوب سوداء في مكانٍ مليء بالمادة المظلمة، تمرّ الموجات الناتجة عبر تلك البيئة، وتتغير شكلًا وزمنًا. كأن تمرّ موجة عبر بحرٍ غير ساكن، فيظهر على سطحها تموّج مختلف، خافت لكنه قابل للتمييز.

    فرضيات كثيرة طرحت في هذا السياق. منها أن المادة المظلمة، إذا كانت تحيط بالأجسام المندمجة، ستترك أثرًا صغيرًا على شكل موجة الجاذبية نفسها. ومنها أن بعض أنواع المادة المظلمة، وخاصة تلك فائقة الخفة، قد تتفاعل مع موجات الجاذبية بطرق دقيقة، تخلق تذبذبات دورية في الإشارة. بل إن هناك من يعتقد أن بعض الثقوب السوداء التي نرصدها اليوم ربما تكون قد تكوّنت من المادة المظلمة ذاتها، في بداية الكون، فيما يسمى بالثقوب السوداء البدائية.

    هذا النوع من الفرضيات لا يزال في طور البحث، لكنه لم يعد مجرد خيال علمي. هناك مشاريع قائمة اليوم، مثل LIGO وVirgo وKAGRA، تحلل آلاف الإشارات بحثًا عن أي انحراف بسيط قد يدل على بيئة غير مرئية. وهناك مرصد فضائي يُخطط لإطلاقه قريبًا، اسمه LISA، سيعمل على رصد موجات منخفضة التردد من اندماجات هائلة في مراكز المجرات، حيث تكون المادة المظلمة أكثر كثافة. كما يعمل باحثون على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أشكال الموجات وتمييز البصمات الخفية فيها، في محاولة لفهم إن كان هناك شيء غير مرئي يُحدث هذا التغيير الطفيف.

    أن نستمع إلى المادة المظلمة عبر موجات الجاذبية ليس فكرة غريبة بقدر ما هي ثورية. لأننا إن نجحنا، سنكون قد فتحنا نافذة جديدة تمامًا لفهم الكون. نافذة لا تعتمد على الضوء بل على انحناء الزمكان نفسه. ربما لن نرى المادة المظلمة يومًا، لكنها قد تتحدث إلينا بصوت بعيد، في تموّج خافت، في همسة تتكررعبر موجات الجاذبيه، من مكان سحيق وزمن سحيق. وربما في ذلك الصمت الكوني الطويل، تكون موجات الجاذبية هي التي تخبرنا بالحقيقة التي انتظرناها طويلًا.

  • Credit: Caltech/MIT/LIGO Lab

    تخيل أنك تقف في مرصدٍ علمي متطور للغاية، تنظر إلى شاشة مليئة بأرقام غامضة وخطوط متماوجة لا تتوقف عن الحركة، ثم فجأةً ومن دون مقدمات تظهر إشارة خفيفة، خافتة جدًا لكنها واضحة، قادمة من مكان بعيد للغاية في أعماق الكون. هذا بالضبط ما حدث في الرابع عشر من سبتمبر عام 2015 داخل مرصد لايغو (LIGO)، المرصد المتخصص في التقاط موجات الجاذبية حينما نجح لأول مرة في التاريخ في تسجيل حدث مذهل أُطلق عليه اسم GW150914. لم تكن تلك الإشارة عادية، بل كانت نتيجة اصطدامٍ كوني عظيم بين ثقبين أسودين ضخمين، كانا يدوران حول بعضهما البعض على مسافة 1.3 مليار سنة ضوئية من الأرض، ثم اقتربا مع الزمن بسرعة هائلة ليتصادما بقوة هزت نسيج الزمكان نفسه، مما نتج عنه ثقبٌ أسود أكبر وأكثر ضخامة.

    كيف رصد العلماء هذا الحدث رغم بعده الهائل؟ السر يكمن في الطريقة العبقرية التي يعمل بها مرصد LIGO؛ فداخل ذراعين عملاقتين تشبهان حرف “L”، يبلغ طول كل واحدةٍ منهما أربعة كيلومترات، يسير شعاع ليزر دقيق ينقسم إلى حزمتين متساويتين تمامًا، تتجه كل واحدة منهما في أحد الذراعين لترتد عن مرايا فائقة الحساسية، ثم تعود ليلتقيا من جديد. هنا تبدأ رحلة الكشف المذهلة، فعندما تمرّ موجة جاذبية عبر الأرض، فإنها تقوم بتمديد وضغط نسيج الزمكان بصورة طفيفة جدًا، أصغر حتى من نواة ذرة واحدة، لكنها كافية لكي تغير أطوال ذراعي المرصد بشكل طفيف. هذا التغير الدقيق ينعكس فورًا على أشعة الليزر، فيُحدث تغيرًا في نمط التداخل الضوئي الذي تلتقطه أجهزة قياس المرصد. في صباح ذلك اليوم التاريخي، عندما ظهرت الإشارة على شاشة المراقبة، أدرك العلماء أنهم لم يشاهدوا فقط إثباتًا مباشرًا على صحة نظرية ألبرت أينشتاين التي وُضعت قبل مئة عام، بل فتحوا بابًا واسعًا نحو طريقة جديدة تمامًا لفهم واستكشاف الكون من حولنا، عبر رصد موجات قادمة من أحداث كانت مخفيةً تمامًا عن جميع التلسكوبات التقليدية. ومنذ تلك اللحظة، أصبح بإمكان البشرية أن تستمع فعليًا إلى موسيقى الكون وهي تعزف سيمفونية الخلود من خلال اصطدامات الثقوب السوداء وانفجارات النجوم

    منذ ذلك الاكتشاف التاريخي الأول لموجات الجاذبية لم يتوقف الكون عن الحديث إلينا وإرسال المزيد من الإشارات والأسرار. حتى اليوم، نجح العلماء في رصد عشرات التصادمات المدهشة بين ثقوب سوداء بأحجام وأوزان مختلفة. لكن الأكثر إثارةً وإذهالًا كان الكشف عن موجات جاذبية ناتجة عن اصطدام نجوم نيوترونية كثيفة للغاية. هذه الأحداث ليست مجرد اصطدامات عادية؛ بل هي مصانع كونية ضخمة.

    مستقبل مرصد LIGO واعدًا بشكل مذهل حيث يعكف العلماء الآن على تطوير أجهزة أكثر دقة وحساسية، لالتقاط تلك الأصوات الكونية الخافتة التي تصل من أعماقٍ أبعد في الفضاء. وربما قريبًا، سنتمكن من رصد أحداث كونية لم نكن نتصور وجودها، مما سيقودنا إلى فهمٍ أعمق لتاريخ كوننا العظيم وأسرار المادة والطاقة. من يدري ؟ فقد نقترب خطوة إضافية من الإجابة على الأسئلة الكبرى التي شغلت البشرية منذ الأزل: كيف بدأ كل شيء؟ وإلى أين يتجه الكون في المستقبل البعيد؟

  •  credit: MARK GARLICK/SCIENCE PHOTO LIBRARY via Getty Images
    credit: MARK GARLICK/SCIENCE PHOTO LIBRARY via Getty Images

    في مكان ما هناك، بعيدًا جدًا في أعماق الفضاء، توجد مناطق لا تشبه أي شيء نعرفه. أماكن تتصرف فيها الجاذبية بشكل غريب، ويتشوّه فيها الزمان والمكان… هناك، تتشكل عوالم غامضة نطلق عليها اسم الثقوب السوداء.

    الثقوب السوداء ليست مجرد فكرة خيالية، بل حقيقة كونية مذهلة. تبدأ قصتها عندما يصل نجم ضخم إلى نهاية حياته، وينفد وقوده الذي كان يبقيه مشتعلاً. في لحظة ما، ينهار النجم على نفسه تحت وطأة جاذبيته، وينضغط بشكل جنوني حتى يتحوّل إلى نقطة صغيرة كثافتها لا تُصدق، تُعرف بـ”المتفردة”. هذه النقطة تُحاط بمنطقة اسمها “أفق الحدث” — وهي ببساطة الحدّ الذي إن عبَره أي شيء، لا يمكنه العودة. لا مركبة، لا نجم، ولا حتى الضوء.

    العلماء يصنّفون هذه الثقوب إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول هو الثقب الأسود النجمي، وهذا يتكوّن من انهيار نجم ضخم، وتبلغ كتلته عدة أضعاف كتلة الشمس. والنوع الثاني هو الثقب الأسود المتوسط، وهو نادر نسبيًا وما زال يخضع للدراسة والبحث. أما النوع الثالث — والأكثر ضخامة — فهو الثقب الأسود فائق الكتلة، ويُعتقد أنه موجود في مركز كل مجرة نعرفها تقريبًا، بما في ذلك مجرتنا “درب التبانة”، حيث يوجد الثقب الهائل المعروف باسم الرامي A⁎، والذي تعادل كتلته أكثر من أربعة ملايين مرة كتلة الشمس.

    ورغم أن الثقوب السوداء لا تُرى مباشرة، إلا أن وجودها لم يعد سرًا. نحن نعرفها من تأثيرها على ما حولها — من طريقة دوران النجوم قربها، ومن الإشعاع الذي تطلقه المادة عندما تقترب منها بشدة، وأيضًا من التموجات الخفية التي تُحدثها في نسيج الزمكان. ففي عام 2015، سجّل العلماء لأول مرة موجات جاذبية ناتجة عن اندماج ثقبين أسودين يدوران حول بعضهما. كان ذلك أشبه بسماع الكون وهو يهمس لأول مرة. هذا الحدث غيّر مسار الفيزياء الفلكية، وفتح أمامنا نافذة جديدة لرؤية الكون — ليس بالضوء، بل عبر الاهتزازات العميقة في نسيجه نفسه.

    لكن الأغرب من كل هذا أن الثقوب السوداء، مهما كانت كتلتها أو تاريخها، لا تحتفظ بأي معلومات عن الأشياء التي ابتلعتها سوى ثلاث صفات فقط: الكتلة، الشحنة الكهربائية، والدوران. هذه الفكرة تُعرف في الفيزياء باسم “نظرية اللاشَعر”، وكأن الثقب الأسود، بكل تعقيده، لا يملك سوى ثلاث “شعرات” فقط، والباقي يُمحى. هذا يقودنا إلى واحدة من أعمق الألغاز في الفيزياء الحديثة: مفارقة ضياع المعلومات. فحسب ميكانيكا الكم، لا يجب أن تضيع المعلومات من الكون… لكنها هنا تختفي دون أثر.

    كلما تعمقت في دراسة هذه الأجسام، أدركت أنها ليست مجرد نهاية لنجم، بل بداية لأسئلة كبيرة. الثقوب السوداء تُخبرنا عن حدود العلم، وعن الأماكن التي تنهار فيها القوانين التي نعرفها. وربما، في يوم ما، سنفهم من خلالها شيئًا أعمق عن أصل الكون… وربما عن أنفسنا أيضًا.