
في مكان ما هناك، بعيدًا جدًا في أعماق الفضاء، توجد مناطق لا تشبه أي شيء نعرفه. أماكن تتصرف فيها الجاذبية بشكل غريب، ويتشوّه فيها الزمان والمكان… هناك، تتشكل عوالم غامضة نطلق عليها اسم الثقوب السوداء.
الثقوب السوداء ليست مجرد فكرة خيالية، بل حقيقة كونية مذهلة. تبدأ قصتها عندما يصل نجم ضخم إلى نهاية حياته، وينفد وقوده الذي كان يبقيه مشتعلاً. في لحظة ما، ينهار النجم على نفسه تحت وطأة جاذبيته، وينضغط بشكل جنوني حتى يتحوّل إلى نقطة صغيرة كثافتها لا تُصدق، تُعرف بـ”المتفردة”. هذه النقطة تُحاط بمنطقة اسمها “أفق الحدث” — وهي ببساطة الحدّ الذي إن عبَره أي شيء، لا يمكنه العودة. لا مركبة، لا نجم، ولا حتى الضوء.
العلماء يصنّفون هذه الثقوب إلى ثلاثة أنواع: النوع الأول هو الثقب الأسود النجمي، وهذا يتكوّن من انهيار نجم ضخم، وتبلغ كتلته عدة أضعاف كتلة الشمس. والنوع الثاني هو الثقب الأسود المتوسط، وهو نادر نسبيًا وما زال يخضع للدراسة والبحث. أما النوع الثالث — والأكثر ضخامة — فهو الثقب الأسود فائق الكتلة، ويُعتقد أنه موجود في مركز كل مجرة نعرفها تقريبًا، بما في ذلك مجرتنا “درب التبانة”، حيث يوجد الثقب الهائل المعروف باسم الرامي A⁎، والذي تعادل كتلته أكثر من أربعة ملايين مرة كتلة الشمس.
ورغم أن الثقوب السوداء لا تُرى مباشرة، إلا أن وجودها لم يعد سرًا. نحن نعرفها من تأثيرها على ما حولها — من طريقة دوران النجوم قربها، ومن الإشعاع الذي تطلقه المادة عندما تقترب منها بشدة، وأيضًا من التموجات الخفية التي تُحدثها في نسيج الزمكان. ففي عام 2015، سجّل العلماء لأول مرة موجات جاذبية ناتجة عن اندماج ثقبين أسودين يدوران حول بعضهما. كان ذلك أشبه بسماع الكون وهو يهمس لأول مرة. هذا الحدث غيّر مسار الفيزياء الفلكية، وفتح أمامنا نافذة جديدة لرؤية الكون — ليس بالضوء، بل عبر الاهتزازات العميقة في نسيجه نفسه.
لكن الأغرب من كل هذا أن الثقوب السوداء، مهما كانت كتلتها أو تاريخها، لا تحتفظ بأي معلومات عن الأشياء التي ابتلعتها سوى ثلاث صفات فقط: الكتلة، الشحنة الكهربائية، والدوران. هذه الفكرة تُعرف في الفيزياء باسم “نظرية اللاشَعر”، وكأن الثقب الأسود، بكل تعقيده، لا يملك سوى ثلاث “شعرات” فقط، والباقي يُمحى. هذا يقودنا إلى واحدة من أعمق الألغاز في الفيزياء الحديثة: مفارقة ضياع المعلومات. فحسب ميكانيكا الكم، لا يجب أن تضيع المعلومات من الكون… لكنها هنا تختفي دون أثر.
كلما تعمقت في دراسة هذه الأجسام، أدركت أنها ليست مجرد نهاية لنجم، بل بداية لأسئلة كبيرة. الثقوب السوداء تُخبرنا عن حدود العلم، وعن الأماكن التي تنهار فيها القوانين التي نعرفها. وربما، في يوم ما، سنفهم من خلالها شيئًا أعمق عن أصل الكون… وربما عن أنفسنا أيضًا.
أضف تعليق