
تخيل أنك تقف في مرصدٍ علمي متطور للغاية، تنظر إلى شاشة مليئة بأرقام غامضة وخطوط متماوجة لا تتوقف عن الحركة، ثم فجأةً ومن دون مقدمات تظهر إشارة خفيفة، خافتة جدًا لكنها واضحة، قادمة من مكان بعيد للغاية في أعماق الكون. هذا بالضبط ما حدث في الرابع عشر من سبتمبر عام 2015 داخل مرصد لايغو (LIGO)، المرصد المتخصص في التقاط موجات الجاذبية حينما نجح لأول مرة في التاريخ في تسجيل حدث مذهل أُطلق عليه اسم GW150914. لم تكن تلك الإشارة عادية، بل كانت نتيجة اصطدامٍ كوني عظيم بين ثقبين أسودين ضخمين، كانا يدوران حول بعضهما البعض على مسافة 1.3 مليار سنة ضوئية من الأرض، ثم اقتربا مع الزمن بسرعة هائلة ليتصادما بقوة هزت نسيج الزمكان نفسه، مما نتج عنه ثقبٌ أسود أكبر وأكثر ضخامة.
كيف رصد العلماء هذا الحدث رغم بعده الهائل؟ السر يكمن في الطريقة العبقرية التي يعمل بها مرصد LIGO؛ فداخل ذراعين عملاقتين تشبهان حرف “L”، يبلغ طول كل واحدةٍ منهما أربعة كيلومترات، يسير شعاع ليزر دقيق ينقسم إلى حزمتين متساويتين تمامًا، تتجه كل واحدة منهما في أحد الذراعين لترتد عن مرايا فائقة الحساسية، ثم تعود ليلتقيا من جديد. هنا تبدأ رحلة الكشف المذهلة، فعندما تمرّ موجة جاذبية عبر الأرض، فإنها تقوم بتمديد وضغط نسيج الزمكان بصورة طفيفة جدًا، أصغر حتى من نواة ذرة واحدة، لكنها كافية لكي تغير أطوال ذراعي المرصد بشكل طفيف. هذا التغير الدقيق ينعكس فورًا على أشعة الليزر، فيُحدث تغيرًا في نمط التداخل الضوئي الذي تلتقطه أجهزة قياس المرصد. في صباح ذلك اليوم التاريخي، عندما ظهرت الإشارة على شاشة المراقبة، أدرك العلماء أنهم لم يشاهدوا فقط إثباتًا مباشرًا على صحة نظرية ألبرت أينشتاين التي وُضعت قبل مئة عام، بل فتحوا بابًا واسعًا نحو طريقة جديدة تمامًا لفهم واستكشاف الكون من حولنا، عبر رصد موجات قادمة من أحداث كانت مخفيةً تمامًا عن جميع التلسكوبات التقليدية. ومنذ تلك اللحظة، أصبح بإمكان البشرية أن تستمع فعليًا إلى موسيقى الكون وهي تعزف سيمفونية الخلود من خلال اصطدامات الثقوب السوداء وانفجارات النجوم
منذ ذلك الاكتشاف التاريخي الأول لموجات الجاذبية لم يتوقف الكون عن الحديث إلينا وإرسال المزيد من الإشارات والأسرار. حتى اليوم، نجح العلماء في رصد عشرات التصادمات المدهشة بين ثقوب سوداء بأحجام وأوزان مختلفة. لكن الأكثر إثارةً وإذهالًا كان الكشف عن موجات جاذبية ناتجة عن اصطدام نجوم نيوترونية كثيفة للغاية. هذه الأحداث ليست مجرد اصطدامات عادية؛ بل هي مصانع كونية ضخمة.
مستقبل مرصد LIGO واعدًا بشكل مذهل حيث يعكف العلماء الآن على تطوير أجهزة أكثر دقة وحساسية، لالتقاط تلك الأصوات الكونية الخافتة التي تصل من أعماقٍ أبعد في الفضاء. وربما قريبًا، سنتمكن من رصد أحداث كونية لم نكن نتصور وجودها، مما سيقودنا إلى فهمٍ أعمق لتاريخ كوننا العظيم وأسرار المادة والطاقة. من يدري ؟ فقد نقترب خطوة إضافية من الإجابة على الأسئلة الكبرى التي شغلت البشرية منذ الأزل: كيف بدأ كل شيء؟ وإلى أين يتجه الكون في المستقبل البعيد؟
أضف تعليق