
منذ أن بدأ الإنسان يتأمل في السماء أدرك أن ما يراه بعينيه ليس كل شيء. النجوم، المجرات، السدم اللامعة… كلها تشكّل فقط جزءًا ضئيلاً من الصورة الكاملة. خلف هذا الجمال الظاهري هناك شيء أكبر، أعمق، وأكثر غموضًا: مادة لا تُرى، لا تُصدر ضوءًا، ولا تمتصه، ولا تتفاعل معه. ومع ذلك، نراها من خلال آثارها. هذه هي المادة المظلمة.
ما نعرفه عنها يشبه ظلًّا يتحرك خلف ستارٍ سميك. نرى المجرات تدور بسرعة لا تفسرها كتلتها المرئية، نشاهد الضوء ينحني دون وجود جسم يفسر ذلك الانحناء، ونحسب الكتلة فنجد أنها أقل بكثير مما ينبغي. شيء ما هناك، يفرض جاذبيته، دون أن يكشف عن نفسه. لقد فشلت كل التلسكوبات في رؤيته، وكل أجهزة الكشف في الإمساك به. لكن ماذا لو كان الصوت أصدق من الصورة؟ ماذا لو كانت الجاذبية، لا الضوء، هي الوسيلة لفهم ما لا يُرى؟
تُعتبر موجات الجاذبية اليوم من أنقى وأعمق ما يمكن أن يُرصد من إشارات كونية. فهي لا تتأثر بالغبار، ولا تُحجب، ولا تُشتت كما يحدث للضوء. تمرّ عبر الزمان والمكان كما هي، تحمل في طياتها تفاصيل دقيقة عن الأحداث التي أنتجتها. ومن هنا وُلد السؤال: هل يمكن لموجات الجاذبية أن تكشف شيئًا عن المادة المظلمة؟ هل يمكن أن تحمل في داخلها همسات من عالم خفي يحيط بالأجسام المندمجة؟ بعض العلماء يظنون ذلك. فربما حين تندمج ثقوب سوداء في مكانٍ مليء بالمادة المظلمة، تمرّ الموجات الناتجة عبر تلك البيئة، وتتغير شكلًا وزمنًا. كأن تمرّ موجة عبر بحرٍ غير ساكن، فيظهر على سطحها تموّج مختلف، خافت لكنه قابل للتمييز.
فرضيات كثيرة طرحت في هذا السياق. منها أن المادة المظلمة، إذا كانت تحيط بالأجسام المندمجة، ستترك أثرًا صغيرًا على شكل موجة الجاذبية نفسها. ومنها أن بعض أنواع المادة المظلمة، وخاصة تلك فائقة الخفة، قد تتفاعل مع موجات الجاذبية بطرق دقيقة، تخلق تذبذبات دورية في الإشارة. بل إن هناك من يعتقد أن بعض الثقوب السوداء التي نرصدها اليوم ربما تكون قد تكوّنت من المادة المظلمة ذاتها، في بداية الكون، فيما يسمى بالثقوب السوداء البدائية.
هذا النوع من الفرضيات لا يزال في طور البحث، لكنه لم يعد مجرد خيال علمي. هناك مشاريع قائمة اليوم، مثل LIGO وVirgo وKAGRA، تحلل آلاف الإشارات بحثًا عن أي انحراف بسيط قد يدل على بيئة غير مرئية. وهناك مرصد فضائي يُخطط لإطلاقه قريبًا، اسمه LISA، سيعمل على رصد موجات منخفضة التردد من اندماجات هائلة في مراكز المجرات، حيث تكون المادة المظلمة أكثر كثافة. كما يعمل باحثون على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل أشكال الموجات وتمييز البصمات الخفية فيها، في محاولة لفهم إن كان هناك شيء غير مرئي يُحدث هذا التغيير الطفيف.
أن نستمع إلى المادة المظلمة عبر موجات الجاذبية ليس فكرة غريبة بقدر ما هي ثورية. لأننا إن نجحنا، سنكون قد فتحنا نافذة جديدة تمامًا لفهم الكون. نافذة لا تعتمد على الضوء بل على انحناء الزمكان نفسه. ربما لن نرى المادة المظلمة يومًا، لكنها قد تتحدث إلينا بصوت بعيد، في تموّج خافت، في همسة تتكررعبر موجات الجاذبيه، من مكان سحيق وزمن سحيق. وربما في ذلك الصمت الكوني الطويل، تكون موجات الجاذبية هي التي تخبرنا بالحقيقة التي انتظرناها طويلًا.
أضف تعليق