
رصد موجات الجاذبية ليس لحظة مجدٍ عابرة، بل هو صبرٌ يتخفّى خلف الصمت، خلف كل اهتزازٍ في الأرض، وكل شهقةٍ في الهواء، وكل رعشةٍ في المعدات. مرصد LIGO لا يعمل كآلة صمّاء، بل ككائن حيّ يتأمل، يصغي، يخطئ، ثم يعاود الإصغاء. ومع أن الكون لا يتكلم بلغة البشر فإنه يرسل نداءاته خافتةً متموّجة في نسيج الزمكان، تحتاج أذنًا تميّزها وسط آلاف الأصوات الكاذبة. الضوضاء، في هذا السياق، ليست فقط ما نعرفه من صخب الطرقات أو الريح، بل عدوٌ متخفٍّ له أشكال لا تُحصى: هناك الضوضاء الزلزالية، الناتجة عن حركات الأرض الدقيقة، زلازل بعيدة، أمواج محيطية تضرب اليابسة في أماكن لا ترى بالعين، وكل هذا يجعل الأرض نفسها تنبض بحياة تُربك أجهزة الرصد. وهناك الضوضاء الحرارية، التي تجعل ذرات المرايا تتراقص عشوائيًا بفعل حرارة الجو، وكأن حتى الجدران تهمس بما لا نريد سماعه. وهناك ضوضاء الكم، في قلب أشعة الليزر نفسها، حيث الفوتونات لا تصل باستقرار، بل تتذبذب بسبب مبدأ الريبة، مما يضيف طبقة جديدة من الشك فوق الشك.
ولأن الإشارة التي يبحث عنها العلماء صغيرة بشكل لا يُصدّق—اتساعها أقل من ألف مرة من قطر نواة الذرّة—فأي اضطراب، مهما بدا تافهًا، قد يُخفي الحدث الكوني العظيم. لهذا السبب تُعلّق مرايا LIGO بأنظمة معقدة من النوابض والكتل العازلة، تتدلّى كرقصات في الفراغ، لتُخفف الاهتزازات الأرضية، وتُبقي المرايا في سكون تام. الليزر يُضبط بدقة شديدة، ويُقسّم ليعبر أذرعًا بطول 4 كيلومترات، ثم يُجمع بعد الانعكاسات، بحثًا عن تغيّر صغير في المسافة بين المرايا، وهو التغيّر الذي يعني أن موجة جاذبية مرّت. ولكن الضجيج لا يرحم: حتى الجسيمات الدقيقة التي تصطدم بالمرايا (cosmic rays)، وحتى المجالات المغناطيسية المحيطة، أو طنين الكهرباء في الجدران، كلها تسجّل بصمتها، وتُثير الأسئلة.
ولكي يفرق العلماء بين “الضوضاء” و”الإشارة”، يخضع كل حدث محتمل لسلسلة من الفلاتر الرياضية والتحليلات الزمنية، وتُقارن البيانات بين مرصدين على بعد آلاف الكيلومترات، لأن الضوضاء المحلية لا يمكن أن تُكرر نفسها بنفس الشكل في مكانين مختلفين، أما الإشارة الكونية الحقيقية، فهي تمرّ بكل الأرض وتترك توقيعها المتناغم في كِلَا المكانين، كأنها تقول “أنا هنا… صدّقوني”. ومع كل رصد محتمل، يبدأ الشك: هل هذه إشارة أم ضوضاء متنكرة؟ وهل نحن مستعدون للفصل بين الصدق والخداع؟ هنا يُستدعى كل شيء: النماذج النظرية، المحاكاة الرقمية، الشبكات العصبية، والعين الخبيرة التي راكمت سنوات من الصمت.
الرصد في LIGO لا يعني فقط أننا التقطنا موجة، بل أننا أخمدنا آلاف الأصوات الأخرى التي حاولت أن تخدعنا، وأننا بلغنا درجةً من النقاء والسكينة تجعل الكون يثق فينا بما يكفي ليمنحنا لحظة من صدقه. تلك اللحظة، حين تُرصد الموجة، ليست فقط حدثًا علميًا، بل تجربة وجودية تُذكّرنا بأن الإصغاء—الحقيقي، العميق، الصابر—قادر أن يفتح أبواب الكون، ولو كانت مغلقة منذ نشأته.
أضف تعليق