
Acknowledgement: L. Shatz
ليلةٌ صافية وهواءٌ بارد، والسماء فوقك كألبوم رسائل ورقية يأتيك من أماكن بعيدة؛ كل نقطة ضوء هي بطاقة بريدية خرجت في زمنٍ ما تحمل حكاية صاحبها. الضوء سريع جدًا، لكنه ليس فوريًا؛ لذلك فانك حين تنظر للنجوم في السماء ليلا، ترى ما كانت عليه ساعةَ غادرها الضوء، لا ما هي عليه الآن. وخلال الرحلة الطويلة يكون النجم قد واصل دورانه في مجرته وربما تغيّر كل شيء حوله. يكفي هذا وحده ليحوّل السماء إلى متحف للماضي—لكن الحكاية تحتفظ بحيلةٍ أدهى: الطريق نفسه الذي يسلكه الضوء قد لا يكون مستقيمًا أصلًا.
تخيّل المسرح يضاء، ويدخل أينشتاين بخطوة هادئة ليقول: الجاذبية ليست يدًا خفيّة تشد الأشياء فحسب، بل هي التي ترسم طريق السير. حين تمر أشعة الضوء قرب كتلة ضخمة—شمس، مجرة، أو عنقود مجري—ينحني الطريق قليلًا، كأن الشعاع زار لوح زجاج سميك عند الحافة. في صيف 1919، وأثناء كسوف الشمس، التُقطت صور لنجوم بجوار قرصها، فبدت مواقعها مزاحة بمقدار شعرة، تمامًا كما توقّع أينشتاين. لحظةٌ أشبه ببابٍ سرّي فُتح: إذا كانت الشمس قادرة على ذلك، فأي عدسة قد تصنعها مجرة كاملة؟
من هنا بدأت القصص الكبيرة تتوالى: فلكيّون يرصدون كوازارًا بعيدًا يظهر في صورتين على صفحة السماء — الكوازار التوأم — ثم يرون تشكيلًا رباعيًّا يُعرَف بـ صليب أينشتاين تحيط فيه أربع صور بمجرّةٍ أمامية، وتتدلّى على أطراف عناقيد المجرّات أقواس زرقاء طويلة، وأحيانًا تكتمل الدائرة في حلقة شبه مثالية تُسمّى خاتم أينشتاين حين تصطف الأجسام بدقة. ما الذي يجري؟ تصوّر جبلًا يتوسّط طريقك إلى مدينة بعيدة: يمكنك الالتفاف يمينًا أو يسارًا؛ كلا الطريقين يوصلك، لكن المسافتين مختلفتان. كذلك يفعل الضوء حول “جبل” الجاذبية: يسلك مسارات متعددة، فيصلنا من زوايا شتّى وبأزمنة وصول متباينة، فيبدو الجِرم كأنه في أكثر من مكان، وقد يبدو أكبر أو ألمع مما هو عليه.
وليس كل عدسةٍ صاخبة. أحيانًا تكون اللمسة خفيفة إلى حدّ أنك لا ترى صورًا متعددة؛ بل “خربشة” دقيقة في هيئات آلاف المجرّات البعيدة، كأن صفحة السماء مرّت تحت زجاج غير مستوٍ. وحدها الإحصاءات والحواسيب تلتقط هذا الهمس وتحوّله إلى خرائط هائلة لتوزيع الكتلة عبر الكون—بما فيها المادة المظلمة التي لا تلمع أصلًا. هذه هي عدسات الجاذبية الضعيفة: أثرٌ خافت لكنه كافٍ ليكشف أين تختبئ الكتلة وكيف تتطور البِنى الكونية.
وهناك طبقة أكثر رهافة تُدعى العدسة الميكروية (التعديس الميكروي). هنا تكون العدسة نجمًا أو حتى كوكبًا داخل مجرّةٍ تعمل كعدسة جاذبية. لا تراها العين كصورٍ منفصلة، لكن المنبع البعيد يومض ويهدأ على مهلٍ لأيامٍ أو أسابيع، كأن يدًا شفّافة مرّت فوق مصباحٍ بعيد. من هذه الومضات اصطاد العلماء كواكب لا تُرى مباشرة، وقرأوا تفاصيل دقيقة في بنية المصادر الخافتة.
وكيف نعرف أن ما نشاهده ليس مجرد مصادفات؟ لأن العدسة تترك بصماتها المتناسقة في كل مرة: الصور المتعددة للمصدر الواحد تحمل الطيف نفسه، ويتغير لمعانها بالنسق ذاته مع فروق زمنية منطقية، ومواقع الأقواس والحلقات يمكن إعادة إنتاجها بنماذج للكتلة تجعل الخريطة “تعمل” على الشاشة. وعندما تُجمع الدلائل—الصور، الإيقاع الزمني، وحتى سرعات نجوم العدسة نفسها—نحصل على إعادة بناء مدهشة للمشهد الحقيقي: أين يقع المصدر خلف الستار وكم تزن العدسة وما الذي يرويه ذلك عن نسيج الكون.
ليست هذه ألعابًا بصرية؛ إنها أدوات قياس كونية. بفضل العدسات نزن المجرات والعناقيد بلا اعتماد على لمعانها، ونرسم خرائط للمادة المظلمة، ونرى مجرات بعيدة جدًا كبّرتها لنا الطبيعة حتى صارت قابلة للدراسة، بل ونقيس تمدد الكون عبر فروق أزمنة الوصول بين الصور. والأهم من كل ذلك: تذكّرنا العدسة بالحقيقة الأولى—أن ما نراه ليس الحاضر. النجم الذي تُشير إليه الليلة قد تحرّك منذ أن أرسل ضوءه، والصورة التي تراها ربما التفّت حول “مرآة” جاذبية قبل أن تصل إليك.
السماء قصة ليست لقطة. كل نجمة تهمس: “كنتُ هنا يومًا”، وكل قوسٍ أو حلقة تقول: “سافرتُ طريقًا أطول كي أصلك.” ومع كل صورة نتعلم أن نقرأ الطريق كما نقرأ الوجهة وأن الكون لا يكتفي بأن يبعث لنا الضوء—بل يعلّمنا، خطوةً بخطوة، كيف نروي حكايته.
أضف تعليق