
.Image credit: Y. Gominet (IMCCE/Observatoire de Paris); NASA
هل موجات الجاذبية جسيمات أيضًا؟ اسمحوا لي أن أبدأ كما أحبّ: غرفة ساكنة في آخر الليل، ضوءٌ رقيق يقف على حافة مرآتين، والكون من حولنا كبحر بعيد يتنفّس من غير صوت. تمرّ موجة لا تُرى فتتمدّد المسافات وتنكمش للحظةٍ خاطفة، مثل قطرة تسقط على سطح ماء ساكن فتولِّد تموّجات دائريةً رقيقة، ثم يأتينا لحنُها من أعماق الزمكان: يبدأ بنغمةٍ تتصاعد تدريجيًا في التردد والسعة—وهو ما يسميه الفيزيائيون «chirp»—ثم يختم بـ«ringdown» قصير يتلاشى سريعًا كخاتمةِ مشهد طويل. هنا فقط أرفع الغطاء قليلًا: ما نقيسه ليس وزنًا ولا دفعة هواء، بل تغيّرًا صغيرًا في الطول بين ذراعين طويلين لمقياس تداخل، تغيّر ضئيل إلى حد الجنون لكنه يكفي لنحوّل الهمس إلى إشارة نفهم منها أي أجسام اندمجت وكم كانت كتلها ونِسَبها وكيف لوّى دورانها الإشارة وأي أثر تركه المدّ إن كان العاشقان نجميْن نيوترونييْن. وفي هذا البحر غير المرئي للموجة استقطابان عَرضيّان فقط (+ و×) يمطّان الفضاء في المستوى العمودي على اتجاه الانتشار، وتسير إشارتها بسرعة الضوء كما دلّ تزامنها مع ضوء انفجارٍ بعيد، وتعتمد خاتمة الاندماج على نوع المتصادِمين وكتلتهما: ليس كل اندماجٍ يُنتج ثقبًا أسودًا فورًا؛ ففي الحالات التي تكون فيها النتيجة ثقبًا أسودًا، نسمع رنّةً طبيعيةً تتوافق مع طيف الاهتزازات المميَّز لثقبٍ أسودٍ دوّار من نوع «كير» حيث لا يحدِّد حالته النهائية إلا كتلته ودورانه (مبدأ «لا شعر»). أمّا إذا كانت البقايا نجمًا نيوترونيًا مفرط الكتلة مؤقّتًا، فتسود اهتزازاتٌ عالية التردّد مختلفة الطابع، وقد يظهر «ringdown» الخاصّ بكير لاحقًا فقط إذا انهار هذا الجرم إلى ثقبٍ أسود. ثم ينهض السؤال الذي نحبّه: إذا كان للضوء موجةٌ وفوتونات، أفلا يكون لموجات الجاذبية جسيمٌ أيضًا؟ من حيث المبدأ نعم؛ فحين نُعامِل الحقل الجاذبي كمّيًا تظهر كمّاتُ طاقةٍ دقيقة عديمةُ الكتلة بلفٍّ مغزليٍّ يساوي اثنين—جرافيتونات—لكننا لم نمسك بجرافيتونٍ منفرد؛ لا لأن الفكرة واهية، بل لأن طاقة الكمّ الواحد عند تردّداتنا البشرية صغيرةٌ على نحوٍ لا يُحتمل واقتران الجاذبية بنا خجولٌ للغاية، فتغرق أيُّ نقرةٍ مفردة في ضوضاء العالم قبل أن تبلغ آذاننا. لهذا نتعامل اليوم مع سلوكٍ موجيٍّ جماعي نتعلّم منه الكثير ونختبر به النسبية العامة في أقسى الميادين ونضع حدودًا على بدائلها من غير أن نجد انحرافًا واضحًا حتى الآن. ومع ذلك لا نُغلق باب الكمّ؛ بل نفتحه بطرائق أذكى وألطف: أن تتشابكَ كتلتان مجهرّيتان لا تمسّان بعضهما إلا بجاذبيتهما فتكون الشهادة على كمّية الحقل نفسه، وأن نفتّش في نغمات الرنين عن انحرافاتٍ خفيّة تشير إلى فيزياء أعمق، وأن نستخدم تداخل الذرّات والساعات فائقة الدقة لالتقاط أثر تمدّد الزمن على حالات هشّة، وأن نُصغي في الفضاء عبر LISA (ليزا)—مهمّةٍ فضائيةٍ مستقبلية لم تُطلَق بعد ومخططُ إطلاقها قرابة منتصف ثلاثينيات هذا القرن—إلى جانب مصفوفات توقيت النجوم النابضة (PTAs) التي ترصد الخلفيّات البعيدة على مدى سنوات. هكذا تبقى البداية خفيفة كما أحببتُ، والنهاية مشبعة بما يكفي من التفاصيل: نحن الآن نسمع الموجة فنقرأ منها قصة الكتل والمسافات، وأمّا الجسيم فـأفقٌ بعيد نلمح حدَّه ولا نطاله بعد؛ ومع كل تحسّنٍ في آذاننا العلميّة يقترب هذا الأفق خطوةً أخرى.
أضف تعليق