NSF/LIGO/Sonoma State University/A. Simonnet

لم يكن الكون يومًا صامتًا  لكنّ الإنسان لم يتعلّم الإصغاء إليه إلا بلغة واحدة لزمنٍ طويل: الضوء. من الفوتونات بنينا معرفتنا الأولى بالسماء، ورسمنا خرائط النجوم والمجرّات، وفسّرنا الانفجارات البعيدة اعتمادًا على ما يصل إلى أعيننا من إشعاع كهرومغناطيسي. غير أنّ هذه الرؤية على اتساعها، ظلّت ناقصة. بعض الأحداث لا تُضيء  وبعضها يُحجب خلف غبار كوني كثيف  وبعضها يترك أثره لا في الضوء، بل في نسيج الزمكان نفسه. من هنا بدأ التحوّل نحو ما يُعرف اليوم بالفلك متعدّد الرُّسُل.

الفلك متعدّد الرُّسُل هو محاولة لفهم الكون عبر أكثر من قناة رصد أو أكثر من “رسول”، بحيث لا نعتمد على الضوء وحده، بل ندمج معه موجات الجاذبية، والنيوترينوات، والأشعة الكونية. كل رسول من هذه الرسل يحمل نوعًا مختلفًا من المعلومات الفيزيائية، ولا يمكن لأيٍّ منها أن يحلّ محل الآخر. ما نراه في الضوء لا يكرّر ما تخبرنا به موجات الجاذبية، وما تنقله النيوترينوات لا يمكن استخلاصه من الصور وحدها. الحقيقة الكونية، في هذا الإطار، ليست رسالة مفردة، بل نسيجًا تتقاطع فيه إشارات متعددة.كان إدخال موجات الجاذبية إلى هذا المشهد نقطة التحوّل الحاسمة. ففي عام 2015، ومع أول رصد مباشر لهذه الموجات، لم نضف أداة جديدة للرصد فحسب، بل أضفنا لغة كاملة لم تكن مسموعة من قبل. موجات الجاذبية ليست إشعاعًا ولا جسيمات، بل تموّجات في نسيج الزمكان نفسه، تنشأ عندما تتسارع كتل هائلة، كما في اندماج ثقوب سوداء أو نجوم نيوترونية. ما تحمله هذه الموجات هو وصف مباشر للديناميكا الجاذبية: كتل الأجسام، ودورانها، والمسافات بينها، وتطوّر مداراتها حتى اللحظات الأخيرة قبل الاندماج. والأهم من ذلك، أنها تعبر الكون دون أن تُمتص أو تتشتّت، حاملةً توقيع الحدث كما هو، غير مشوَّه.لكن موجات الجاذبية، على عمقها، لا تروي القصة كاملة وحدها. فهي تصف كيف يتحرّك الزمكان، لكنها لا تخبرنا دائمًا عمّا يحدث للمادة بعد الحدث. هنا يأتي دور الضوء، الذي يكشف التوهّجات والانفجارات، ويرصد تشكّل العناصر الثقيلة، ويتتبّع تطوّر البيئة المحيطة بالاندماج. أما النيوترينوات، فهي رسل البيئات الأعلى كثافة، القادرة على الهروب من أعماق الانفجارات حيث يعجز الضوء عن النفاذ، حاملةً معلومات عن الفيزياء النووية في أقسى ظروفها. وتبقى الأشعة الكونية شاهدًا طاقيًا بعيدًا على أحداث عنيفة، رغم صعوبة تتبّع مساراتها إلى مصادرها الأصلية. عندما تتزامن هذه الرسل، لا نحصل على صورة مسطّحة للحدث، بل على مشهد فيزيائي متكامل يمتد عبر المكان والزمن.تجلّى هذا التوافق بأوضح صوره في السابع عشر من أغسطس عام 2017، عندما رُصد حدث GW170817. في ذلك اليوم، التقطت مراصد LIGO و Virgo موجات جاذبية ناتجة عن اندماج نجمين نيوترونيين، وبعد أقل من ثانيتين رُصد انفجار أشعة غاما من نفس الموقع في السماء، ثم تتابعت عمليات الرصد الضوئي عبر مختلف الأطوال الموجية خلال الأيام والأسابيع اللاحقة. للمرة الأولى، سُمِع الحدث ورُئي في آنٍ واحد، وتُمّت متابعة تطوّره من اللحظه الأول في الزمكان إلى التوهّج الأخير للمادة المقذوفة. هذا الحدث لم يؤكد فقط وجود ظاهرة الكيلونوفا، بل كشف عن أصل العناصر الثقيلة مثل الذهب والبلاتين، وربط بين النسبية العامة والفيزياء النووية والكيمياء الكونية في تجربة رصدية واحدة.تكمن قوة الفلك متعدّد الرُّسُل في قدرته على كسر حالات الالتباس التي ترافق الرصد الأحادي. موجات الجاذبية وحدها قد تترك غموضًا في بعض المعلمات، والضوء وحده قد يُضلَّل بالبيئة أو الزاوية أو الحجب، لكن الجمع بينهما يسمح بتحديد المواقع بدقة أعلى، وفهم الخصائص الفيزيائية للأجسام بشكل أوضح، وفتح نوافذ جديدة على علم الكونيات، مثل قياس ثابت هابل عبر ما يُعرف بـ “Standard Sirens”، دون الاعتماد على سُلّم المسافات التقليدي. كما يتيح هذا النهج اختبار النسبية العامة في أقسى الظروف، والبحث في فيزياء تتجاوز النموذج القياسي للجسيمات.ورغم هذا التقدّم، لا يخلو الطريق من التحديات. تحديد مواقع مصادر موجات الجاذبية لا يزال واسع النطاق، والأحداث المتزامنة نادرة، ويتطلّب الأمر تنسيقًا عالميًا فوريًا بين مراصد أرضية وفضائية تعمل بلغات فيزيائية مختلفة. الفلك متعدّد الرُّسُل ليس علمًا يُمارَس في عزلة، بل شبكة تعاون كونية تتقاطع فيها التلسكوبات، وأجهزة القياس، والخوارزميات، والبشر.المستقبل، مع ذلك، يحمل وعودًا أكبر. فمع الجيل القادم من مراصد موجات الجاذبية، سواء الأرضية أو الفضائية، سننتقل من رصد الأحداث بعد وقوعها إلى توقّعها قبل اكتمالها، ومن تسجيل الإشارة إلى بناء سردٍ كامل للحدث الكوني، منذ أول ارتعاش في الزمكان وحتى آخر فوتون يصل إلينا. عندها، لن يكون الكون مجرد مشهد نراقبه من بعيد، بل نصًّا حيًّا نقرأه عبر لغاته المتعددة.الكون لا يتحدّث بصوتٍ واحد. هو يكتب تاريخه بالضوء، وينقشه بالجاذبية، ويهمس به عبر النيوترينوات. وموجات الجاذبية ليست بديلًا لما عرفناه من قبل، بل اللغة العميقة التي كانت غائبة، حتى تعلّمنا كيف نُصغي إليها.

Posted in

رد واحد على “عندما يتحدّث الكون بأكثر من لغة: الفلك متعدّد الرُّسُل وموجات الجاذبية”

  1. صورة أفاتار Khalid
    Khalid

    الدكتورة ريم قدمت مقالا بالغ التميز، يجمع بين عمق الفكرة ودقة الطرح العلمي وجمال الاسلوب. اسلوبها يكشف عن وعي معرفي ناضج وقدرة لافتة على تحويل موضوع علمي معقد الى نص سلس وممتع دون ان يفقد ثقله او مصداقيته. اختيار المفردات وبناء الجمل وتسلسل الافكار جاء متقنا، ما يجعل القارئ مندمجا مع النص من بدايته حتى خاتمته.

    اما المقال نفسه، فهو نموذج راق للكتابة العلمية التي تتجاوز الشرح الى التامل والفهم العميق للكون. نجح في تقديم الفلك متعدد الرسل بوصفه رؤية شاملة لا مجرد تقنية رصد، وربط بين الضوء وموجات الجاذبية والنيوترينوات في سرد متماسك وملهم. هذا العمل يعكس موهبة حقيقية ودكتورة تمتلك ادواتها الفكرية واللغوية بثقة، ويستحق الاشادة والانتشار

    إعجاب

أضف تعليق