• credit: DKosig via Getty Images
    credit: DKosig via Getty Images

    لطالما كان السفر عبر الزمن حلمًا يتردد في الخيال البشري منذ قرون، من قصص الأساطير إلى أفلام الخيال العلمي لكن الفيزياء الحديثة لا ترى الزمن كمجرد خلفية ثابتة تمر فوقها الأحداث. بل في نظرية أينشتاين، الزمن نسيج مرتبط بالمكان — يسمى الزمكان — يتأثر بالحركة والجاذبية. في النسبية الخاصة، إذا تحرك شخص بسرعة قريبة من سرعة الضوء، فإن الزمن يمر عليه بشكل أبطأ مقارنة بمن هو ساكن. هذا ما يسمى “تمدد الزمن”، وقد أثبتته التجارب بالفعل: روّاد الفضاء الذين يدورون حول الأرض بسرعات عالية تعود ساعاتهم متأخرة بأجزاء من الثانية عن ساعاتنا على الأرض. بهذا المعنى، السفر إلى المستقبل ليس خيالًا… بل ممكن رياضيًا وفيزيائيًا.

    لكن، هناك مشكلة. لكي نصل إلى سرعات تقترب من سرعة الضوء، نحتاج طاقة هائلة، وكلما زادت سرعتنا زادت كتلتنا الظاهرة، حتى نصل إلى حاجز لا يمكن تجاوزه. الضوء يسافر بهذه السرعة لأنه لا يمتلك كتلة، أما نحن — كبشر أو مركبات — فلدينا كتلة، وهذا يجعل بلوغ هذه السرعة مستحيلًا عمليًا. ولذلك، حتى لو كان السفر نحو المستقبل ممكنًا على الورق، تطبيقه صعب جدًا في الواقع.

    أما السفر إلى الماضي… فهنا تبدأ الحيرة. من الناحية الرياضية، هناك حلول في معادلات أينشتاين تسمى “منحنيات مغلقة شبيهة بالزمن” (CTCs)، تسمح نظريًا بالعودة إلى نقطة زمنية سابقة. لكن هذه الحلول غير مستقرة، وتتطلب ظروفًا خيالية، مثل ثقوب دودية ضخمة ومادة سالبة الكتلة لم تُكتشف في الطبيعة. حتى لو وجدت، فإن الفيزياء لا تضمن أنها ستبقى مفتوحة أو صالحة للعبور، وقد تنهار قبل أن تتمكن من استخدامها.

    وفوق كل ذلك، هناك المفارقات المنطقية: ماذا لو عدت إلى الماضي وغيرت شيئًا جوهريًا؟ مثلًا، لو منعت جدك من الزواج بجَدّتك، فهل ستُولد أنت أصلًا كي تعود؟ تُسمى هذه المعضلة “مفارقة الجد”، وهي أحد الأسباب التي تجعل العلماء يشككون في إمكانية السفر للماضي. فالزمن، كما نعرفه، يسير في اتجاه واحد — من الماضي إلى المستقبل — وربما كان ذلك هو أحد أعظم قوانين الكون.

    السفر عبر الزمن، إذًا، ليس مجرد خيال… بل تقاطع غريب بين ما هو ممكن نظريًا، وما هو مستحيل عمليًا، وبين ما هو منطقي في المعادلات، وما ينهار عند مواجهة الواقع.

    لو استطعت السفر إلى الماضي… هل ستغيّر شيئًا؟

  • Credit: NASA/GSFC
    Credit: NASA/GSFC

    لطالما ظن الإنسان أن الجاذبية قوة خفية تسحب الأشياء نحو الأرض كما وصفها نيوتن منذ قرون. لكن في بدايات القرن العشرين ظهر ألبرت أينشتاين بنظرية قلبت هذا الفهم رأسًا على عقب: النسبية العامة. في عام 1915 قدّم أينشتاين فكرته الثورية بأن الجاذبية ليست قوة على الإطلاق، بل نتيجة لانحناء نسيج الزمكان ذاته، تسببه الكتلة والطاقة. الزمكان هو دمج بين الزمان والمكان في كيان واحد رباعي الأبعاد حيث لا يمكن فصل الوقت عن المكان في وصف الأحداث. كل ما يحدث في الكون يحدث في نقطة معينة من الزمان والمكان معًا — أي في الزمكان. وهذا المفهوم هو ما يُمكّننا من فهم كيف تؤثر الكتلة والطاقة على حركة الأجسام والضوء، من خلال انحناء هذا النسيج الكوني.

    تخيّل أن الكون أشبه بقطعة قماش كبيرة ومشدودة — وعندما نضع عليها جسمًا ثقيلًا، مثل كرة حديد فإن القماش ينحني حولها. الأجسام الأخرى التي تمر بالقرب منها لا تنجذب “بقوة” بل تتبع هذا الانحناء في المسار، كما لو أنها تنزلق على سطح القماش. وهكذا تفعل الأجسام في الفضاء: تنحني مساراتها لا بفعل السحب، بل لأنها تتبع أقصر الطرق في الزمكان المنحني.

    هذه الفكرة لم تأتِ من فراغ، فقد سبقها أينشتاين بعشر سنوات بنظرية النسبية الخاصة، التي تناولت الزمن والحركة عند السرعات العالية، لكنها لم تشمل الجاذبية. وبعد سنوات من العمل، توصّل إلى ما يُعرف بـ معادلات أينشتاين للمجال، وهي معادلات تصف العلاقة بين انحناء الزمكان وتوزيع المادة والطاقة فيه. ببساطة المادة تخبر الزمكان كيف ينحني والزمكان يخبر المادة كيف تتحرك.

    كانت هذه النظرية فتحًا علميًا هائلًا، فقد فسّرت انحراف الضوء قرب النجوم، وتنبأت بوجود الثقوب السوداء، وأرست الأساس لفهمنا الحديث لموجات الجاذبية. النسبية العامة ليست مجرد نظرية، بل نافذة لفهم عميق للكون، لطريقة تمدده وتشوهه، وللأسرار التي يحملها في أعماق الزمكان.

  • Credit: SXS
    Credit: SXS

    لطالما اعتمد الإنسان على الضوء لفهم ما حوله في السماء. رأينا النجوم والسُدم، والمجرات من خلال التلسكوبات البصرية ثم تطوّرنا إلى رصد الأشعة تحت الحمراء والأشعة السينية وحتى الموجات الراديوية.

    لكن كل هذه الطرق تشترك في شيء واحد: هي تعتمد على الضوء، الذي قد يُحجب أو يُشوّه ويعجز أحيانًا عن الوصول إلينا من أعماق الأحداث الكونية.

    وهنا ظهرت موجات الجاذبية.

    موجات الجاذبية ليست ضوءًا ولا حرارة. هي تموجات في نسيج الزمكان نفسه تنتقل عبر الكون عندما تقع أحداث عنيفة — كاندماج ثقبين أسودين أو نجمين نيوترونيين. وما يجعلها مميزة حقًا هو أنها لا تتأثر بالغبار الكوني، ولا تُحجب خلف أي حاجز. إنها تصلنا من أعمق أعماق الكون، حاملة معها أسرارًا لم نكن نحلم برؤيتها.

    إذا كانت التلسكوبات تُمكّننا من رؤية الكون، فإن أجهزة الكشف عن موجات الجاذبية تمكّننا من سماعه. إنها نافذة من نوع جديد — لا تُظهر الصورة، بل تُرينا “أثر الحدث”. بمجرد أن رُصدت أول موجة جاذبية في عام 2015 تغيّر تاريخ علم الفلك إلى الأبد. لقد أصبحنا نمتلك حاسة جديدة تمامًا في مراقبة الكون. موجات الجاذبية جعلتنا نسمع الكون بدلًا من أن نراه.